مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

245

شرح فصوص الحكم

اللّه في حق طائفة ) أي في حق قوم عيسى عليه السلام ( ولو أنهم أقاموا التورية والإنجيل ) أي ولو عملوا بما فيهما من الأحكام ( ثم نكر وعمم ) المعطوف ( فقال و ) أقاموا ( ما أنزل إليهم ) من الأحكام ( من ربهم فدخل في قوله وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ كل حكم منزل ) من ربهم ( على لسان رسول اللّه ) ولم يوجد ذلك الحكم نسخا أو إثباتا في التورية والإنجيل وإلا لكان من التورية والإنجيل كسائر الأحكام الموجودة فيهما ويدل عليه قوله ( أو ملهم ) من ربهم على قلوبهم مما لا يعلم بالتوراة والإنجيل وما أنزل على لسان رسول من الأحكام وإلا لكان ذلك الحكم داخلا فيها والمقصود تعميم الحكم بها لا يدخل فيها ( لأكلوا ) من المعارف الإلهية وهي الأرزاق الروحانية ( من ) جهة ( فوقهم ) المعنوي كما أكلوا الرزق الصوري من فوقهم الصوري بسبب المطر فعلى أيّ حال ( وهو المطعم من الفوقية التي نسبت إليه و ) لأكلوا الرزق المعنوي ( من تحت أرجلهم ) بالسلوك والرياضات والمجاهدات كما أكلوا الرزق الصوري من أنواع الفواكه من الأرض التي تحت أرجلهم ( وهو المطعم من التحية التي نسبها إلى نفسه على لسان رسوله المترجم عنه ) بقوله : « لو دليتم بحبل لهبط على اللّه » . ولما فرغ عن بيان حفظ وجود الحق عباده من فوقهم وتحتهم رجع إلى إثبات حفظ الماء وجود العرش من تحته فقال : ( ولو لم يكن العرش على الماء ما انحفظ وجوده فإنه بالحياة ينحفظ وجود الحي ألا ترى الحي إذا مات الموت العرفي ينحل أجزاء نظامه وتنعدم قواه عن ذلك النظم الخاص ) وكل شيء حي وكل حي ينحفظ وجوده بالحياة ومن الماء كل شيء حي فإذا لم يكن العرش على الماء لم ينحفظ وجوده من تحته فلم يكن حيا بل ينحل أجزاءه عن الظلم الخاص وتبدلت أخرى فاختص حفظ الإنسان بالنص الإلهي بالحق وحفظ العرش بالماء ، مع أنه هو حافظ أيضا تعظيما لشأن الإنسان فعظمه اللّه حق تعظيم فلو علم الإنسان قدره عند اللّه لم يخالف قط . ولما فرغ عن بيان خواص الماء وما يتوقف عليه من معرفة حال أيوب شرع في بيان حال أيوب عليه السلام قال : ( قال اللّه تعالى لأيوب : ارْكُضْ ) أي اضرب بِرِجْلِكَ الأرض فلما ركض خرج منها الماء فقال : ( هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ [ ص : 42 ] أي ماء بارد ) ، يزيل باغتساله مرضك من بدنك وإنما كان الماء باردا ( لما كان عليه من إفراط حرارة الألم فسكنه اللّه ) إفراطها ( ببرد الماء ) من التسكين الضمير يرجع إلى الإفراط فسكن اللّه إفراطها الزائد المهلك فبقي الحرارة النافعة للإنسان والإشارة فيه وهي أن اللّه تعالى أمر نبيه بضرب الرجل على الأرض ليخرج منها الماء لإزالته ألم البدن فهو أمر لنا بالسلوك والمجاهدة ليخرج الماء الحياة وهو العلم باللّه والأرض وجودنا لإزالة أمراض أرواحنا وهي الحجبات المبعدة عن الحق وفي هذه الآية سر لطيف وهو أن السالكين سلوك التقوى بالمجاهدة والرياضات إذا اجتمعوا في منزل وذكروا اللّه كثيرا بأعلى صوت وضربوا أرجلهم على الأرض مع الحركة